بناء الكنائس -15يوليو2016

مجلة الكرازة – 15يوليو 2016

تأسست المسيحية فى مصر منذ منتصف القرن الاول الميلادى حينما جاء القديس مارمرقس الرسول الى مدينة الاسكندرية قادما من مسقط رأسه ليبيا – الجارة الغربية لبلادنا – وبعدما تتلمذ على يد السيد المسيح فى اورشليم بفلسطين ..وعلى ارض مدينة الاسكندرية استشهد عام 68 ميلادية بعد ان ارتوت الارض بدمائه المقدسة وصار مؤسسا للكنيسة المصرية التى عرفت عبر الزمن باسم الكنيسة القبطية الارثوذكسية كرسى الاسكندرية Coptic Orthodox Church of Alexandria وانتشرت المسيحية فى كل ربوع مصر ولم ينته القرن الاول الا وقد صارت مصر مسيحية فى كل ارجائها من شمال الوادى حتى جنوبه ومن اقصى الشرق الى اقصى الغرب مرورا بالواحات والصحارى والبرارى وكل بقاع كورة مصر حسب التعبير القديم وتحولت كثير من معابد الوثنين الى مواضع المسيحية كما صارت كثير من المغائر والمقابر والمزارع بمثابة كنائس لاجتماع المسيحيين خاصة فى ازمنة الاضطهاد التى استمرت عدة قرون وبعدها بدأ بناء الكنائس لحاجة المؤمنين وبالطبع لم تكن هناك اية قوانين او تشريعات لهذا الامر ..واستمر الحال بعد دخول الاسلام مصر فى القرن السابع الميلادى وكان يحدث بين الحين والحين تضييق على المسيحيين بسبب قسوة بعض الحكام وفى احيان اخرى نعمت البلاد بالسماحة والمودة والعلاقات الطيبة فكان الحال افضل ..وتشهد الاثار المسيحية والكنائس القديمة والمنتشرة فى اماكن كثيرة فى مصر خاصة تلك التى زارتها العائلة المقدسة على انتشار الكنائس فى المدن والقرى والصحارى والاديرة وغيرها ...واستمر الحال هكذا الى ان بليت البلاد بالامبراطورية العثمانية بكل ما حملته من عنف واضطهاد وتعصب وصدر فيها ما يسمى بالخط الهمايونى عام 1856م وهو بمثابة قانون يضع بناء الكنائس فى سلطة المسئول الاول فى البلاد سواء الخديوى او الملك او الرئيس وبذلك يصير انشاء الكنيسة يخضع لهذه السلطة فقط فى استثناء غير مبرر عن انشاء اى مبنى اخر على ارض الدولة!ورغم توالى الحكام توالى الحكام وتنوعهم ثم قيام الملكية فى مصر بقى هذا القانون الى ان جاء عام 1934م واضاف اليه وكيل وزارة الداخليه وقتها واسمه العزبى باشا عشرة شروط تعجيزية تجعل من بناء الكنيسة امرا عسيرا جدا يستغرق سنوات وسنوات ويحتاج اجراءات معقدة جدا واستمر الحال حتى بعد قيام الثورة وقيام الجمهورية فى يوليو 1952م منذ 64 سنة وظهرت المشكلات واستغل ضعاف النفوس ومتعصبى الفكر هذا القانون وهذه الشروط لتعطيل بناء الكنيسة فى اماكن كثيرة وربما تشهد بعض المدن هذا الظلم حتى الان رغم تواجد مصريين اقباط فيها باعداد كبيرة ووقعت حوادث فى اماكن متفرقة سميت بالفتنة الطائفية وسببت صداعا والما وجراحا فى نفوس المواطنين الاقباط واحساسهم بانهم ليسوا على نفس مستوى المواطنة مع اخوتهم فى الوطن رغم تاريخهم الطويل ..وفى عام 1972م ومع بداية فترة رئاسة الرئيس الراحل انور السادات وايضا مع بداية حبرية المتنيح البابا شنودة وقعت احداث مفزعة فى منطقة الخانكة بضواحى القاهرة وكانت البلاد تستعد لحرب اكتوبر 1973م وتلك الاحداث تؤثر على تماسك الجبهة الداخلية التى هى عماد وجود الوطن مما جعل الرئيس السادات يشكل لجنة لتقصى الحقائق برئاسة الدكتور جمال العطيفى وكيل مجلس الشعب انذاك وقد وضعت هذه اللجنة تقريرا صافيا لمحاولة معالجة هذا الموضوع الشائك عرف باسم تقرير لجنة العطيفى وقد تضمن هذا التقرير شرحا وافيا ان بناء الكنائس يجد تعسفا وتضييقا بسبب الشروط العشرة التى اصدرها موظف حكومى دون سند شرعى فضلا عن الفرمان العنصرى او القانون العثمانى الذى مضى عليه وقتها اكثر من 116 سنة ( 1856-1972) ووضع ذلك التقرير علاجات شافية لما يسنى بالفتنة الطائفية فى اكثر من ثلاثين بندا وللاسف بقيت بنود هذا التقرير حبيسة فى الادراج حتى الان...ومع التزايد السكانى الكبير صار بناء كنيسة امرا عصيرا للغاية يجد كل تعنت مع اكثر من مسئول بلا سبب الا تمييزا وتضييقا وتعصبا وادى ذلك الى حدوث اوجاع فى جسد الوطن ولا يمر عام الا ونسمع عن هذا الفرصة لاعداء الوطن واصحاب النفوس الضعيفة لمزيد من الوجع والالم والحسرة على مصر وطن المحبة والسماحة والعيش المشترك فى سلام ..ورغم ان العلاج كان واضحا فى تقرير لجنة العطيفى الا انه لم يستخدم قرابة الاربعين عاما ! ومع اشتداد الازمات فى توفير اماكن العبادة للمسيحيين المصريين ورغم صدور بعض القرارات التى تبدو فى ظاهرها انها تسهلات ولكن بقيت التعقيدات الاجرائية التى تستغرق السنين الطويلة وبلا حلول جادة للمشكلة حتى الان وكان التجمع والصلاة والعبادة للمسيحيين صار مجرما ولا يستطيع المسيحى المصرى مقابلة ربه للعبادة الا بتصريح وقرار ! وعليه الانتظار حتى يصدر !!ومع احداث الاعوام القليلة الماضية فى حياة الوطن والثورات فيها واعداد الدساتير ظهر الحديث عن ضرورة اصدار قانون لتنظيم بناء الكنائس بما يكفل حرية ممارسة المصريين المسيحيين لشعائرهم الدينية ووضعت مادة رقم 235 فى الدستور والتى تلزم مجلس النواب باصدار هذا التشريع فى اول دور انعقاد ..وشكلت الكنائس المصرية لجنة واحدة لوضع ملامح مسودة لهذا القانون وقدم الى وزارة العدالة الانتقالية تمهيدا لعرضه على مجلس النواب واقراره فى حاله المشكلات المتراكمه مننذ حوالى 160سنة وقت صدور الخط الهمايونى ..وتعددت المسودات والمناقشات والاقتراحات التى تامل ان تسفر عن صدور قانون حقيقى بلا تعقيدات او الغام او كما يقولون تورتة بها زجاج اى بنود جميلة شكلا ومعقدة ومعطلة ومبهمة موضوعا ...ان الكنيسة مؤسسة روحية مشغولة بخلاص الانسان من الخطية كما انها مؤسسة اجتماعية تخدم مجتمعها بما يناسب ولذا نتطلع الى قانون واضح جدا فى كل بنوده يبدأ صفحة جديدة فى تنظيم هذا الامر ويغلق تماما كل ما سبق عبر عشرات السنوات قانون ليس فيه اى تمييز بين المواطنين وبعيدا عن الجهات الادارية التى تفرض هيمنة غير مقبولة وبعيدا عن اية حساسيات او فرضيات ليست على ارض الواقع ..ان التاريخ الوطنى للكنيسة المصرية يشهد لها ولدورها الفعال عبر عشرين قرنا من الزمان اناه مؤسسة وطنية حتى النخاع مهمومه بسلامة الوطن وصيانته وحفظ تماسكه ووحدته الداخلية ودور الاقباط المصريين وكنيستهم مشهود له فى الداخل والخارج وعلى هذا الاساس نصلى وننتظر قانونا منصفا عادلا خاصة بين جميع مؤسسات الدولة لبناء مصرنا العزيزة والمرموقة بين كل الاوطان ...