يوحنا المعمدان صوت الحق - 31 يناير 2014

مجلة الكرازة ، 31 يناير 2014

يوحنا المعمدان نموذج نأخذ منه فضائل كثيرة ، لكن قبل التحدث عن مصادر القوة فيه نتكلم عن الوظائف أو الأدوار التى قام بها فى حياته القصيرة : أول دور قام به هو إعداد الشعب لإستقبال السيد المسيح ، هذا يوضح لنا أن أى شئ يحتاج لإعداد ، حتى مجئ المسيح يحتاج إلى إعداد وإلى مقدمة وتهيئة للعقول والنفوس ، وهذا أمر هام وضرورى . فعندما تتكلم فى أى موضوع أو قرار لابد أن تهيئ الأخرين له . أما العمل الثانى الذى قام به أنه كان الشاهد الأساسى على مجئ السيد المسيح فقال : " هوذا حمل الله الذى يرفع خطية العالم ! " ( يوحنا 29:1 ) ، فضلاً عن شهادته فى وقت المعمودية : " إنى قد رأيت الروح نازلاً مثل حمامة من السماء ، فاستقر عليه " ( يو 22:1-24 ) الدور الثالث الذى قام به القديس يوحنا أنه قدم لنا مثالاً قوياً فى التلميذ الأمين الزاهد فى السلطة فيقول عن نفسه أنه مجرد صوت أما السيد المسيح فهو كلمة الله ، وأشار على السيد المسيح وقال العبارة الخالدة " ينبغى أن ذلك يزيد وأنى أنا أنقص " ( يوحنا 20:3 ) . هذا الرجل العظيم يوحنا المعمدان أنتصر على ذاته ، كان يعرف دوره تماماً أو ما نسميه بالحدود ، هو إنسان لا تحاربه ذاته ، وليست عدوة له . فى المفهوم المسيحى أعداء الإنسان : الشيطان وأغراءات العالم وذات الإنسان التى يمكن أن تتحكم فيه . أما الدور الرابع الذى قام يوحنا المعمدان هو أن السيد المسيح شهد له أنه أعظم مواليد النساء : جاء بالصلاة وبعد وقت طويل ، ولما مارس حياته كان يعرف وظيفته بالتحديد ، وتخلى عن ذاته تماماً فالعريس هو المسيح والعروس هى الكنيسة ويوحنا المعمدان يفرح بالعروس والعريس ، وهذا الفرح جعله يأخذ أكاليل المجد الكثيرة . أما الدور الخامس فهو أن حياته كلها مرتبطة بكلمة واحدة : " التوبة " كان يضع التوبة أساساً لدخول الملكوت : " توبوا ، لأنه قد اقترب ملكوت السموات " ( مت 1:3 ) . ولذلك تضع الكنيسة القديس يوحنا المعمدان كأول نموذج فى السنة القبطية ( 2 توت ) فنقول عنه : يوحنا السابق أى الذى سبق السيد المسيح ، والصابغ لأنه قام بعماد السيد المسيح والشهيد لأنه نال إكليل الشهادة فى نهاية حياته . ويأتى السؤال بعد كل هذا : ما هى مصادر القوة فى حياة القديس يوحنا المعمدان ؟ هناك أربعة مصادر لهذه القوة : أولاً : أسرته فقد تربى على يد زكريا الكاهن وإليصابات زوجته ، هذان الزوجان الباران . فبلا شك وجود هذا الأب المصلى والذى يحمل طاقة إيمان فى داخله والخائف الرب ، وكان مع زوجته يسلكان بلا لوم ، فكانا لأبنهما أكبر نموذج ومثال وقدوة حسنة فى الحياة مع الله . إن إكليل تربية طفل مثل إكليل نسك راهب ، وهناك من يربى بالأوامر ، وآخر يربى بالتدليل ، وثالث بالقسوة وآخر بالنعمة . ما أجمل أن نربى أولادنا وبناتنا بالنعمة ! والنعمة من الإنجيل والصلوات والكنيسة والأسرار وسير القديسين ، كل هذه مجارى وقنوات النعمة . الأسرة ايقونة الكنيسة ، وصانعة القديسين . المصدر الثانى لقوة القديس يوحنا المعمدان أنه كان نذيراً ، أى مخصصاً ومكرساً لله . أريد أن ألفت نظركم إلى شئ هام وهو أنه فى سر التثبيت ( الميرون ) يُرشم الطفل المعمد فى جسده 36 رشماً تشمل الطفل كله وهذه الرشومات الـ 36 هى بمثابتة تكريس عام فيصير هذا الطفل الصغير مخصصاً ومكرساً ، أو إن شئت الدقة فهو مفروز لله . المصدر الثالث لقوة هذا القديس العظيم البرية : والذى يعيش فى البرية تموت منه الشهوات ، لذا توجد أديرتنا فى الصحراء . الوجود فى البرية يقتل فى الإنسان الشهوات والتطلعات ، وهذا الذى جعل القديس أغسطينوس يقول : " جلست على قمة العالم عندما وجدت نفسى لا تخاف شيئاً ولا أشتهى شيئاً " . أما المصدر الرابع لقوة يوحنا فهو الإمتلاء من الروح القدس ، فهو من بطن أمه أمتلأ من الروح القدس وهذه نعمة خاصة . وفى التقليد الكنسى نعمد أطفالنا فى سن صغيرة لكى يمتلئوا من الروح النقى فى حياتهم . والإمتلاء من الروح القدس جعله يفيض على الأخرين ، فكان بلا شك مرشداً لكثيرين . " يوحنا هو صوت الرب ، والرب هو الكلمة . فمنذ البدء يوحنا هو صوت عابر والمسيح هو الكلمة الدائم " ( القديس أغسطينوس )