الاستقامة مع النفس- 20 فبراير 2013

                                                                الاستقامة مع النفس

نقرأ لاجل تعليمنا من سفر اخبار اﻻيام اﻻول الاصحاح 29 ايها الرب الهنا كل هذه الثروة التى هيأناها لنبنى لك بيتا لاسم قدسك انما هى من يدك و لك الكل. و قد علمت يا الهى أنك أنت تمتحن القلوب و تسر بالاستقامة. أنا باستقامة قلبى أنتدبت بكل هذه و الان شعبك الموجود هنا رأيته بفرح ينتدب لك. يارب اله ابراهيم و اسحق و اسرائيل ابائنا أحفظ هذه الى الابد فى تصور أفكار قلوب شعبك و أعد قلوبهم نحوك. و أما سليمان ابنى فأعطه قلبا كاملا ليحفظ وصاياك شهاداتك و فرائضك و ليعمل الجميع و ليبنى الهيكل الذى هيأت له

ان الانسان الروحى عندما يسلك فى الطريق الروحى الذى يصل به الى السماء انما يجب ان يتميز بثلاث صفات اساسية هى : الاستقامة مع النفس، الامانة مع الله، و السلامة مع الناس. ولاننا نقترب من فترة صوم نينوى و من الصوم المقدس و هى فترة روحية دسمة فى حياتنا لذلك اردت ان اتكلم و اتأمل معكم فى هذه الليلة عن الاستقامة مع النفس، و فى الايات القليلة التى قرأتها نلاحظ فى الاية 17 يقول "قد علمت ياالهى انك انت تمتحن القلوب و تسر بالاستقامة"، و استقامة النفس كما يتكلم عنها سفر اﻻمثال ان الانسان لا يميل يمنى و لا يسري -خط مستقيم- و نحن فى كنيستنا القبطية المقدسة الارثوذكسية نفتخر اننا نحمل فى اسم كنيستنا الاستقامة، كنيسة مستقيمة الراى و مستقيمة الفكر و مستقيمة السلوك و مستقيمة العقيدة، و لهذا السبب كنيستنا تحمل اﻻيمان النقى و العقيدة النقية و اللاهوت الذى يحملة أباء الاسكندرية لاهوت نقى لم ينحرف.

من بعض العلامات التى تشرح الاستقامة مع النفس: ان يحيا الانسان حياته دون ان يتطرف، ليس فقط فى حياته الاجتماعية و لكن ايضا فى حياته الروحية فلا يتطرف مثلا فى اوقات اصوامه او صلواته او قرائته فى الكتاب المقدس او حتى فى تداريبه الروحية بل يسلك على حسب قامته الروحية و ينميها تدريجيا. اول شئ يغيب الاستقامة مع النفس هو التطرف.

الامر الثانى الذى يغيب استقامة النفس فى حياة الانسان هو الكبرياء: و يقول الكتاب فى سفر اﻻمثال "طريق الجاهل مستقيم فى عينيه" و الجاهل هنا ليس الجاهل من جهة العلم و الثقافة و المعرفة و انما افجاهل هو من يسئ استخدام عمره و ايامه ووقته، و مثل العذارى الحكيمات و العذارى الجاهلات يبين ان بينهم تشابهات و لكن الحكيمات استغلوا وقتهم بصورة صحيحة انما الجاهلات اضاعن وقتهن و اضاعن العمر و لما اتى المسيح قالوا له ربنا ربنا افتح لنا قالهم لا اعرفكم، ان كبرياء الانسان يطرح من حياته كل استقامة. و لذلك امنا العذراء قالت فى تسبيحتها الخالدة "أنزل الاعزاء عن الكراسي و رفع المتضعين"، هذا الكبرياء اضاع أريوس الذى بالهرطقة التى ابتدعها و سقط فيها و اسقط اخرين كان منشأها الحقيقى هو كبرياء شخص و يقول الكتاب فى سفر الامثال "توجد طرق تظهر لﻻنسان مستقيمة و عاقبتها الموت"، جميع الهراطقة الذين ظهروا فى التاريخ كانت بداية هرطقتهم من احساسهم بذواتهم، و خطية الكبرياء تعتبر ام الخطايا و تعمل فى الانسان دون ان يشعر لذلك احيانا الله يرسل قرعات للانسان ليفيقه نن كبريائة مثل قرعة مرض او مشكلة.

التحدى الثالث هو الرياء: الرياء موجود فى الكتاب المقدس فى مواقع كثيرة و لكن فى انجيل متى الاصحاح 23 ربنا يسوع المسيح يخاطب الكهنة و الفريسيون المراؤن و يذكر لهم صور من الرياء، و هؤلاء لا يحملون استقامة النفس. الشخص المرائى داخلة غير مستقيم و لكن خارجة يتظاهر بالاستقامة، و يقول الكتاب فى سفر اشعياء "هذا الشعب يكرمنى بشفتيه اما قلبه فمبتعد عنى" و هذه صورة مؤلمة جدا لعدم استقامة النفس. و من امثلة المراؤن فى الكتاب المقدس يهوذا التلميذ الذى كان خارجه تلميذ و من داخلة خائن.

ايضا خطايا النفاق و المديح الكاذب كل هذه و ما يماثلها تفقد الانسان استقامة قلبه. الاستقامة تجعل لك مكانا و أولوية عند الله، و نحسب فى فترات الاصوام فى كنيستنا هى فترات لتعديل سلوك الانسان و يعود لاستقامته. ايضا فى كل يوم يا احبائى نصلى مزمور التوبة قائلين "قلبا نقيا اخلق فى يا الله و روحا مستقيما جدده فى داخلى" هذه طلبة يومية لانه ربما ياتى يوم يصنع فيه الانسان مالا يرضى الله تكون النتيجة انحراف عن الاستقامة. الاستقامة هى طريقك الى السماء و هى اول خطوة فى حياة التوبة.

و يأتى السؤال كيف ازرع الاستقامة فى حياتى اول شئ ان تهتم بالامور الصغيرة : الوقت، نظرة عين، صداقة شخص، كلمة تقولها. و نجد فى مثل العشر عذارى خمس اهتموا بالزيت و خمسة قالوا فى نفسهم ان الزيت مقدور عليه و انه مسألة بسيطة و لكن ياتى العريس و المستعدات يدخلن معه الى العرس و يغلق الباب. اهتم بالاشياء الصغيرة تجعل لك ضمير مستقيم امام نفسك، فى معجزة اشباع الجموع قال السيد المسيح اجمعوا الكسر، و الكسر هنا لها فائدتين الفائدة الاولى ان يتركوا المكان نظيف و الفائدة الثانية ان هذه الكسر ممكن يستفيد منها انسان محتاج. يقال ان فى حالات الادمان اول مرة الانسان يكسر فيها كلمة (ﻷ) يكون كسر 80% من الحاجز النفسي ضد الخطية و تكون المرات التالية اسهل فى السقوط. انتبه الى الاشياء الصغيرة و لا تنظر لها باستهانة. القديس العظيم مارمرقس عندما جاء ليكرز فى مصر لم يكن معه سوى صليب و عصا و ايمان و لكنه صنع عجائب فى مصر، الانبا باخوميوس أب الشركة كان جندى فى الجيش و قدمت له امرأة مسيحية طبق طعام (كانت المرأة تقدم طعاما لجنود الجيش الذين لا تعرفهم - عمل بسيط جدا) و لكن باخوميوس لما رجع من الحرب سالما تحولت حياته و صار قديسا عظيما و أب للشركة مؤسس حياة رهبانية. أهتم بالامور الصغيرة.

الامر الثانى الذى يزرع الاستقامة فى حياتك هو ان ترفض الاغراءات: يوسف الصديق رفض الاغراء الذى امامه و قال قوله المشهور كيف اصنع هذا الشر العظيم و اخطئ الى الله، ايضا فى العهد القديم نتقابل مع الملكة وشتى كانت امرأة وثنية و عندما طالبها الملك لتستعرض جمالها باعتبارها الملكة رفضت بشدة و كان مقابل ذلك انتزع منها الملك. و يقول القديس بولس الرسول و هو يوصى تلميذه تيموثاوس "اما انت فيا انسان الله اهرب من هذا"

امر ثالث ضعه امامك و انت تريد ان تزرع الاستقامة فى ضميرك ان تحذر الشخصية المنقسمة: احذر ان يكون لك وجهين وجه الملاك فى العلن و وجه الشيطان فى الخفاء، و نذكر فى العهد القديم شاول الملك كان يريد ان ينتقم من داود و يقتله و فى نفس الوقت يتظاهر امامه بانه يقربه اليه. صلي بالحقيقة مع داود النبى قلبا طاهرا اخلق في يا الله، لانك عندما تذهب الى السماء ستاخذ معك هذا القلب و تقدمه هدية لله. حاول ان تجعل داخلك كما خارجك.

اخر شئ و انت تزرع الاستقامة داخلك احفظ مشاعرك نقية : و يقول فى سفر الاعمال "أدرب نفسى ليكون لى ضمير بلا عثرة نحو الله و الناس" ضمير بلا عثرة تعنى ضمير مستقيم، بلغة ابسط اجعل قلبك شفافا، و قلبك لن يصير بهذه النقاوة الا اذا عشت فى حياة روحية و فى وسائط النعمة و تمتعت بها كما يقول داود النبى فى المزمور "تلذذ بالرب فيعطيك شؤال قلبك" تلذذ بحياتك الروحية اجعل دائما مشاعرك نقية و حياتك فى حرارة روحية، لا تكن كما قال الكتاب المقدس عن اللاودكيين "لانك لست حارا او بارد و انا مزمع ان أتقيأك من فمى"

احيانا يشعر اﻻنسان ان له استقامة فى قلبه و يقول "انا غنى و قد استغنيت و لا حاجة لى لشئ" و يرد عليه الكتاب المقدس "و لست تعلم انك انت الشقى البائس و الفقير و الاعمى و العريان أشير عليك ان تشترى منى ذهبا مصفي بالنار لكى تستغنى و ثيابا بيض لكى تلبس و لا يظهر خزى عريتك و كحل عينيك بكحل لكى تبصر" الذهب هو النعمة و الثياب البيض هى المعمودية و الكحل هو الاستنارة الروحية بالكلمة المقدسة.

ان الانسان يحتاج فى الفترات الروحية كفترات الاصوام ان يعيش هذه الاستقامة و ان يبحث عنها و ان يجد فى اثرها و يتمتع بها فى كل يوم و لسان حاله يقول فى كل وقت "قلبا نقيا اخلقه فى يا الله و روحا مستقيما جدده فى داخلى" و يتذكر دائما "انت يارب تمتحن القلوب و تسر بالاستقامة انا باستقامة قلبى انتدبت بكل هذه و الان شعبك الموجود هنا رايته بفرح ينتدب لك" و فى هذه الاية تدريب جميل ان قلبك يمتحن امام الله و الله يفرح باستقامتك، و دى خطوة من خطوات الحياة الروحية، استقامة مع النفس ، امانة مع الله ، و اخيرا سلامة مع الناس