يوحنا المعمدان- 22 يناير 2014

22 1 2014

نقرأ بنعمة المسيح جزء من انجيل معلمنا متى الاصحاح 11: 7-15

"ابتدأ يسوع يقول للجموع عن يوحنا: ماذا خرجتم إلى البرية لتنظروا ؟ أقصبة تحركها الريح. لكن ماذا خرجتم لتنظروا؟ أإنسانا لابسا ثيابا ناعمة؟ هوذا الذين يلبسون الثياب الناعمة هم في بيوت الملوك. لكن ماذا خرجتم لتنظروا؟ أنبيا؟ نعم، أقول لكم، وأفضل من نبي. فإن هذا هو الذي كتب عنه: ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكي الذي يهيئ طريقك قدامك. الحق أقول لكم: لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان، ولكن الأصغر في ملكوت السماوات أعظم منه. ومن أيام يوحنا المعمدان إلى الآن ملكوت السماوات يغصب، والغاصبون يختطفونه. لأن جميع الأنبياء والناموس إلى يوحنا تنبأوا. وإن أردتم أن تقبلوا ، فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي. من له أذنان للسمع فليسمع"

يوحنا المعمدان

فى فترة أربعين يوما بين عيد الميلاد و عيد دخول السيد المسيح الى الهيكل نحتفل فيها بخمسة أعياد سيدية؛ الميلاد الختان الغطاس عرس قانا الجليل و دخول المسيح الهيكل. و هذه الأعياد السيدية نحتفل فيها بشخصيات تظهر فى الكتاب المقدس كشخصية أمنا العذراء مريم كشخصية سمعان الشيخ كشخصية اليصابات و زكريا الكاهن الى أخره، لكن من اكثر الوجوه اللامعة هى شخصية القديس يوحنا المعمدان صوت الحق.

القديس يوحنا المعمدان له اعياد كثيرة فى الكنيسة، و لكننا نحتفل بعيد أستشهاده فى ثانى يوم بعد عيد النيروز، و الكنيسة تقدمه فى هذا اليوم (2 توت) كنموذج للحياة المسيحية والحياة الاصيلة للذى يعيش بالحق وينال أكليل شهادة من أجل الحق. نحتفل بعيد البشارة بميلاده فى 16 توت، ونحتفل بمولده فى 30 بؤونه، واستشهاده فى 2 توت، واكتشاف رأسه فى 30 أمشير، وظهور جسده فى 2 بؤونه.

وعلى هذا الاساس القديس يوحنا المعمدان نموذج يمكن ان يكون مفيدا لنا كلنا، أخذ شهادة من ربنا يسوع المسيح وهو الاسم الابرز فى هذه الاعياد كلها بل اننا فى بداية شهر كيهك نحتفل بالبشارة بميلاد يوحنا المعمدان.

يوحنا المعمدان نموذج نأخذ منه فضائل كثيرة،

*نتحدث عن الوظائف التى قام بها فى حياته (القصيرة): *

اول دور قام به انه كان يقوم باعداد الشعب لاستقبال السيد المسيح الآتى "ها انا أرسل امام وجهك ملاكى الذى يهيئ طريقك قدامك" كان يعد الشعب، وهذا يوضح ان اى شئ يحتاج لاعداد حتى مجئ المسيح يحتاج لاعداد يحتاج لمقدمة وتهيئة للعقول والنفوس. وهذه نبوة جاءت فى سفر ملاخى "ها انا ذا أرسل امام وجهى ملاكى فيهيئ الطريق أمامى"، و نحن نقول فى بداية انجيل يوحنا "كان انسانا مرسلا من الله اسمه يوحنا"اول دور قام به انه كان يهيئ الشعب.

العمل التانى الذى قام به انه كان الشاهد الاساسي على مجئ السيد المسيح "هوذا حمل الله الذى يرفع خطية العالم"، فضلا عن شهادته فى وقت عماد السيد المسيح "أنى قد رأيت الروح نازلا مثل حمامه من السماء فاستقر عليه، و انا لم اكن اعرفه و لكن الذى ارسلنى لاعمد بالماء ذاك قال لى الذى ترى الروح نازلا و مستقرا عليه فهذا هو الذى يعمد بالروح القدس و انا قد رأيت و شهدت ان هذا هو أبن الله"

الدور الثالث الذى قام به القديس يوحنا انه قدم لنا مثالا قويا فى التلميذ الامين الزاهد للسلطة: يقول عن نفسه "انا مجرد صوت ... اما السيد المسيح هو الله"، ويتضح هنا الفرق بين الصوت وبين الكلمة حتى فى مفهومنا البشرى. فظهر أمامنا انه التلميذ الأمين الزاهد للسلطة رغم انه كان انسانا مهوبا فى المجتمع اليهودى (شكله لبسه كلامه افعاله) كانت تجعله شخصية مهوبة جدا فى هذا المجتمع لها كل الوقار لها كل الاحترام لكنه زاهذا فى السلطة، ولما أشار على السيد المسيح قال العبارة الشهيرة "ينبغى ان هذا يزيد و انى انا انقص" لا تنسوا يا أخوتى الأحباء انه فى كل انسان توجد ذات وهذه الذات قد تمنعه من ان يعتذر وحتى ان كان الخطأ واضح ...) احيانا نسمى الذات الكرامة واحيانا نسميها الكبرياء واحيانا الحساسية ولها تسميات كثيرة. لكن هذا الرجل العظيم يوحنا المعمدان انتصر على ذاته فزهد فى السلطة وكأن لسان حاله يقول "ماذا ينتفع الانسان لو ربح العالم كله و خسر نفسه" فكان ينظر لذاته بهذه الصورة. لهذا قال هذه العبارة الجميلة "هوذا حمل الله الذى يرفع خطية العالم هذا الذى قلت فيه يأتى بعدى رجل قد تقدمنى لانه كان من قبلى" ماهى هذه الروح الجميلة.. فالناس كانت تعرفه قبل ان تعرف المسيح، لكن فى تكوينه الشخصى قد اعطته البرية معنى الزهد ولم يترك السلطة تمسك فيه فربما نسمع ونقرأ فى التاريخ عما صنعته السلطة فى الانسان، ولكن يوحنا المعمدان كان يعرف دوره تماما فاحيانا يسمونها فضيلة الالتزام، نحن فى المفهوم المسيحى والأبائى لدينا ثلاثة اعداء للانسان هم (الشيطان و اغراءات العالم وذات الانسان)

الذات يمكن ان تتحكم فى الانسان صغيرا او كبيرا فى منصب او فى غير منصب، حتى فى الحياة الرهبانية عندما يترك الانسان كل ماله بحسب الوصية الرهبانية ويعيش فى الفقر يترك كل ماله ولكنه قد لا يستطيع ان يترك ميوله، فتتحكم فيه ذاته و تضيع منه اكاليل ونعم كثيرة، اما يوحنا فكان منتبها كثيرا.

الدور الرابع ان يوحنا المعمدان شهد له السيد المسيح انه اعظم مواليد النساء، جاء بالصلاة و جاء بعد وقت طويل وكان أستجابة الصلاة، وعندما مارس حياته كان يعرف وظيفته بالتحديد و يقول "من له العروس فهو العريس و اما صديق العريس الذى يقف و يسمعه فيفرح فرحا من أجل صوت العريس اذا فرحى قد كمل" وهذه فيها تخليه عن الذات تماما، كان يعرف دوره ويقبل هو الاقل ليس مرغما او ان الظروف وضعته فى هذا الدور ولكن يقول فرحى قد كمل فى شخصيته عندما راى المسيح وعندما رأه فى العماد، العريس هو المسيح والعروس الكنيسة ويوحنا المعمدان يفرح بالعروس وبالعريس و فرحه أعطاه اكاليل مجد كثيرة، يكفى ان له أعياد فى الكنيسة كثيره فاثنين نحتفل بعيد ميلادهم أمنا العذراء مريم و القديس يوحنا المعمدان.

اما المهمة الخامسة او الدور الخامس الذى قام به يوحنا ان حياته كلها مرتبطة بكلمة واحده وهى كلمة التوبة: كان يضع التوبة (لاحظوا انه كان يخاطب مجتمع يهودى، و انه نبى يهودى يتكلم امام ناس يفهمون ويعيشون فى الحياة اليهودية) فكان يرى ان التوبة هى الاساس لدخول الملكوت وكان ينادى "توبوا فانه اقترب ملكوت السموات"

والتعبير الجميل "صوت صارخ فى البرية اعدوا طريق الرب و اجعلوا سبله مستقيمة" فكان موضوع التوبة هو الذى يشغله فعظمة هذا الرجل تكمن فى انه تخلى عن ذاته وزهد فى اى سلطة ولا يشغله الا شئ واحد فقط هو التوبة، و لذلك تضع الكنيسة القديس يوحنا المعمدان كأول نموذج فى السنة القبطية. هذا هو يوحنا المعمدان الذى نسميه السابق الصابغ و الشهيد، سبق السيد المسيح، الصابغ لانه قام بعماد السيد المسيح، و الشهيد لأنه نال اكليل الشهادة فى نهاية حياته.

ويأتى السؤل ما هى مصادر القوة فى حياة يوحنا المعمدان؟ لماذا كان قويا بهذا القدر، لماذا كان صاحب صوت حق، لماذا كانت تأتى اليه الجموع لينالوا معمودية الماء، ماهى مصادر القوة فى شخصيته التى جعلته يقف امام الملك ويقول له بملئ القوة لا يحل لك ان تاخذ امرأة اخيك (اخيه الحى) من اين أتى بهذه القوة، من سلطة أم من مركز؟!

نقف امام أربعة مصادر لهذه القوة:

اول مصدر لقوة يوحنا المعمدان هو اسرته (بلا شك): تربى على يد زكريا الكاهن واليصابات زوجته، كان زكريا واليصابات زوجته البارين هما أبويه. زكريا الكاهن انسان يخاف الله واليصابات انسانه باره امام الله، و اذا كان الاب و الام هكذا يكون الابن مثلهما. بلا شك وجود هذا الاب المصلى والذى يحمل طاقة ايمان فى داخله والخائف الرب وكان مع زوجته يسلكان الاثنين بلا لوم (ضميرهم مستيقظ يستطيع ان يزن نفسه فى كل موقف) فنشأ يوحنا المعمدان فى هذا الجو الجميل بيت ترتفع فيه الصلوات وترتفع فيه قامة الايمان وليس له الا ان يعيش مع المسيح، ونتخيل اليصابات وهى تربى يوحنا وتحكى له الدموع والصلوات والسهر والعار الذى كانت تراه فى عيون الناس وفى السنتهم لانها كانت عاقرة وكم من ليالى قضتها وهى فى بكاء شديد وكأن السماء صامته والصلوات التى ترتفع لا تجد مجيب لها، وعندما أتت فرحة ميلاده وسمته يوحنا (الله يتحنن) اظن ان القديسة اليصابات والقديس زكريا الكاهن كانا لا يملوا من انهم يقدموا لهذا الصبى وصايا الله من صغره، احيانا فى التربية المعاصره يترك الاب و الام تربية ابناءهم للتلفزيون او الانترنت او الاصدقاء ويغيب دور الاب والام المسؤل عن هذه العطية هل تسودعه وصايا الرب هل تقرا له فى الانجيل حتى ان كان لا يفهم فى سنه الصغير لكن يراك تقرأ فى الانجيل وتعلمه الوصية وهذا ما نعلمه للأم الأشبين يوم المعمودية ونقول لها أمنتى على هذا الطفل وتسلميه الايمان، بقدر ما تهتموا بتعليم الابناء فى صغرهم بقدر ما يكون لكم اكاليل فى السماء ويقول احد الأباء ان اكليل التربية يساوى اكليل نسك راهب، ما أجمل ان نربى أبناءنا من الانجيل و الصلوات والكنيسة وسير القديسين، ان هذا القديس الذى عاش فى البرية كان مصدر قوته الاول هو الاسرة لذلك يمكن ان نقول ان الاسرة أيقونة الكنيسة وهى صانعة القديسين.

المصدر الثانى للقديس يوحنا المعمدان انه كان نذيرا: كما قال الملاك "يكون عظيما امام الرب و خمرا و مسكرا لا يشرب" نذير يعنى مخصص لله مكرس لله، و هل كلنا سنكرس! ففى سر الميرون يرشم الطفل المعمد فى جسده 36 رشمة تشمل الطفل كله وهذه الرشومات هى بمثابة تكريس عام ان صار هذا الطفل الصغير مكرسا وهذا ما اخذناه كلنا، (الميرون الذى كان اصله من الحنوط التى كانت على جسد السيد المسيح) فهذا الطفل ينمو وقلبه مكرسا لله، فى يوم المعمودية يتخصص الانسان و يتكرس للمسيح ويدعى الطفل مسيحيا، اخذ سر المعمودية و اخذ سر الميرون و نال سر الافخارستيا و يبدأ طريقه نحو الابدية، يوحنا المعمدان كان نذيرا للرب كان مخصصا بحياته كلها و كل ما يفكر فيه هو علاقته بالله، و هذا الفكر هام جدا لذلك نسمع نداء السيد المسيح "يا أبنى أعطنى قلبك" يريد ان يكون قلبك مخصص و مكرس له لا يشغله شئ اخر وهذا مهم لنا كلنا ان نهرب من امور تشغل قلوبنا وعقولنا وحياتنا ولا تفيدنا فى الابدية فكن مخصصا لعمل المسيح وهذا ليس معناه ان تترك دراستك وعملك لكن قلبك هو لله يسكنه المسيح.

الامر الثالث او المصدر الثالث لقوة هذا القديس العظيم أعظم مواليد النساء كانت البرية: والذى يعيش فى البرية تموت فيه الشهوات، لماذا بدأ الأنبا انطونيوس فى البرية ! لماذا اديرتنا فى الصحراء ليس لسبب الا ان وجودنا فى البرية يقتل فى الانسان الشهوات والتطلعات، يقول لنا الكتاب "اما الصبى فكان ينمو ويتقوى بالروح وكان فى البرارى الى يوم ظهوره لاسرائيل" ولذلك عندما نزور البرية و نزور ابائنا الرهبان ونتمتع بهم وبالحياة الديرية الجميلة تكون البرية احد مصادر القوة فى حياتك لان فيها انحلال من كل الرباطات الموجودة فى العالم وتدخل الكنيسة وتقضى وقت سواء فى قداس او تمجيد او صلوات خاصة وتستشعر قوة صلوات الاباء الذين عاشوا عبر اجيال واجيال فى الدير وتنال قوة وهذا جعل القديس اغسطينوس يقول عبارة مشهورة جدا "جلست على قمة العالم عندما وجدت نفسى لا اخاف شيئا و لا اشتهى شيئا" ونشكر الله لان بلادنا بها برارى كثيرة وهذا شئ يعطى قوة للانسان، اجعل زيارتك للدير او للاماكن الخلوية بصفة عامة زيارة تنال فيها قوة خاصة. اجعل حياتك ممسوحه بفكر البرية حتى ان كانت زياراتك للبرية قليلة يمكنك ان تستعيض عن ذلك باقوال الاباء و سيرهم و جهادهم الروحى الذى عاشوا به و الفكر الروحى، يوحنا المعمدان كان مصدر من مصادر قوته علاقته بالبرية، لهذا فى جهادك الروحى وحياتك واتجاهك للسماء وانت تفكر فى الابدية اجعل تفكيرك باستمرار مرتبط بالبرية.

اما المصدر الرابع فهو الامتلاء من الروح القدس: من بطن أمه يمتلئ من الروح القدس، نعمة خاصة، و نوال الروح القدس اعطاه هذه القوة، وامتلائه من الروح القدس وهو فى بطن امه من بداية تكوينه و هو عمره شهورا قليلة صار ممتلئ بعمل الله وبالروح القدس وفى التقليد الكنسي اطفالنا فى سن صغيرة جدا يعمدوا و يولدوا من جديد ولادة جديدة نسميها الولادة من الماء و الروح، و يمتلئ الطفل الصغير فى معموديته وولادته الجديده ونلبسه ملابس بيضاء تعبيرا عن امتلاءه من الروح النقى فى حياته، وروح الله يعمل وبشده فى الكبار وفى الصغار ويوحنا المعمدان يمتلئ من الروح القدس وهو فى بطن امه ويمارس دوره مبكرا جدا وتنتهى حياته ايضا مبكرا جدا، نصلى و نقول "ايها الملك السماوى روح الحق الحاضر فى كل مكان و المالئ الكل كنز الصالحات و معطى الحياة هلم تفضل و حل فينا و طهرنا من كل دنس" فى صلاة الساعة الثالثة المخصصة لحلول الروح القدس نطلب روح الله ان يحل فى حياتنا فى بيوتنا فى كنيستنا فى تكريسنا فى خدمتنا، والامتلاء يجعله يفيض على الاخرين بلا شك كان القديس يوحنا المعمدان مرشدا لناس كثيرة وكان ينصح الناس ويهديهم فى حياتهم وكان يعدهم للسيد المسيح الذى يأتى ويعمد، والذى تعمد على يد يوحنا انتقل له مفهوم السر من الماء الى الماء والروح.

سألوا يوحنا المعمدان من انت فقال"انا صوت صارخ فى البرية" يوحنا هو صوت الرب والرب هو الكلمة، عبارة قالها القديس اغسطينوس "منذ البدء يوحنا صوت عابر والمسيح هو الكلمة الدائم" الرب هو الكلمة و يوحنا هو الصوت.

هذه هى مصادر القوة فى حياة يوحنا و التى جعلت يوحنا فى اواخر ايامه وقبل السجن يشهد الشهادة الحية ويقول لا يحل لك، و يقولها بصوت حق وبقوة وكان يعلم ان هذه تكلفه حياته، ولكن الحق كان اسمى من الحياة، وكانت النتيجة انه ينال اكليل الاستشهاد وتقطع رأسه ولكن يظل صوته وتظل شخصيته ويظل النموذج الذى يقدمه القديس يوحنا نموذج رائع لنا كلنا فى حياتنا وفى جهادنا.

يوحنا أعظم مواليد النساء "الحق اقول لكم لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان، و لكن الاصغر فى ملكوت السموات أعظم منه" هذا هو يوحنا المعمدان الذى نذكره فى المجمع بالقداس ونذكر شخصيته ونجعل ايقونته فى حامل الايقونات و نضعه امامنا مثالا دائما للانسان الشاهد للحق. لالهنا كل مجد و كرامة الى الابد أمين