فضيلة الملامة - 27 نوفمبر 2013

27 11 2013.

فضيلة الملامة نقرأ من اجل تعليمنا جزء من انجيل معلمنا لوقا الرسول الاصحاح 6: 45 "الإنسان الصالح من كنز قلبه الصالح يخرج الصلاح، والإنسان الشرير من كنز قلبه الشرير يخرج الشر. فإنه من فضلة القلب يتكلم فمه. ولماذا تدعونني: يا رب، يا رب، وأنتم لا تفعلون ما أقوله. كل من يأتي إلي ويسمع كلامي ويعمل به أريكم من يشبه. يشبه إنسانا بنى بيتا، وحفر وعمق ووضع الأساس على الصخر. فلما حدث سيل صدم النهر ذلك البيت، فلم يقدر أن يزعزعه، لأنه كان مؤسسا على الصخر.وأما الذي يسمع ولا يعمل، فيشبه إنسانا بنى بيته على الأرض من دون أساس، فصدمه النهر فسقط حالا، وكان خراب ذلك البيت عظيما"

تكلمنا فى الاسابيع الماضية عن من له أذنان للسمع فليسمع، وتكلمنا ايضا عن صوت الله، والحديث فى شهر هاتور يدور كله عن الأذن والسمع. و كما ذكرنا من قبل ان الاحاد الثلاثة الاولى فى شهر هاتور تتكرر فيها عبارة من له أذنان للسمع فليسمع وهذا التكرار ضرورى له قصد ، ثم يأتى الاحد الرابع ويتكلم عن مقابلة الشاب الغنى لربنا يسوع المسيح وسؤاله الجميل ماذا اعمل لأرث الحياة الابدية ولكن تنتهى هذه المقابله ان هذا الشاب مضى حزينا، و لم يسمع ! لهذ نتحدث اليوم عن احد الفضائل التى تجعل الانسان يسمع، وليس السمع هو سمع الاذن ولكن السمع هو سمع القلب السمع الداخلى . كلنا نسمع ولكن منا ينطبق عليه قول السيد المسيح له المجد "كل من يأتى الى ويسمع كلامى و يعمل به" احد الفضائل التى تساعد الانسان على السمع الداخلى والسمع الصحيح هى فضيلة الملامة ، وتحكى لنا قصص الحياة الرهبانية عن القديس ارسانيوس معلم اولاد الملوك وكان قديسا محبا للصمت ومعلما لأولاد الملوك ، وكان هذا القديس ناسكا فى البرية وذات يوم قام البابا ثاؤفيلوس البطريرك ال23 بزيارة البرية وذهب اليه وسأله عن كلمة منفعه فاجاب القديس الأنبا أرسانيوس البابا بعبارة "ليس أفضل من ان يرجع الانسان بالملامة على نفسه فى كل شئ" احيانا يقع الانسان فى خطية معينة او ضعف معين او تقصير معين و لكنه لا يستطيع ان يقول كلمة أخطأت، لان قلبه الداخلى لم يلومه فلا يستطيع ان يحيا هذه الفضيلة (فضيلة الملامة) مثال القديس داود النبى كان صاحب سلطان وكان ملكا ونبيا عظيما، سقط، لانه انسان فى الضعف، وسقط فى خطيتين ولكن مشاعر توبة بدأت تتحرك فى قلبه عندما حدثه ناثان النبى وجعلته هذه المشاعر يلوم نفسه فى مزمور التوبة الذى نصليه "أرحمنى يالله كعظيم رحمتك، لك وحدك اخطأت والشر قدامك صنعت" عندما تقرأ هذا المزمور الذى سجله او كتبه داود النبى بدموعه تشعر بروح الملامة، ولأنه أحس بالملامة ابتدأ يقدم توبة الملامة للانسان امام الله ليست امام البشر، وهل ممكن لأحد ان يلوم نفسه امام اخر وليس امام الله؟ مثال الفريسي والعشار، الفريسي يتقدم الى الامام والعشار يبقى فى الخلف ، الفريسي يقول انا اصوم واعشر وحالى أفضل من العشار (يقيس نفسه على العشار) وبالتالى هو لم يقدم توبه. لكى تقدم توبة يجب ان تقيس نفسك على قامة ربنا يسوع المسيح ذاته، فتجد نفسك صغيرا جدا وضعيف جدا وهذه هو السبب الذى لأجله قال لنا السيد المسيح له المجد "كونوا كاملين كما ان اباكم هو كامل" و يقول داود النبى "ان كنت للاثام راصدا يارب، يارب من يثبت امامك" اصبحت مشاعر التوبة لكى ما تتحرك فى داخل الانسان ويستمع للوصية ينبغى ان يبدأ بالملامة نلاحظ ان صوم الميلاد يركز وبشدة على موضوع السمع وكأنه يريد ان يصلح فى الانسان السمع الروحى، واما الصوم المقدس يركز وبشدة على موضوع العين وكانه يريد ان يصلح العين الروحيه، وسواء الأذن او العين مقصود بها القلب. عندما تبدأ لتسمع الوصية يجب ان تتعلم هذه المقوله "ليس أفضل من أن يرجع الانسان بالملامة على نفسه" تعرف اذا تلوم نفسك فى صلواتك فى قرأتك و فى حياتك الخاصة ستبدأ مشاعر التوبة معك وعندما تنجح فى ان تلوم نفسك تستطيع ان تقدم توبة حقيقية وهذه هى أول فائدة لفضيلة الملامة. وتتذكرون القديس موسى الاسود عندما دعى فى يوم من الايام بعد توبته لمحاكمة احد الاباء، دخل القديس موسى الاسود حاملا شوال ممتلئ بالرمل به ثقب يتسرب منه الرمل، وقال القديس هذه هى خطاياى احملها ولا اراها لهذا الخطوة الاولى ليكون عندك سمع روحى واستجابة حقيقية هى ان ترجع بالملامة على نفسك بالرجوع لمثل الشاب الغنى الذى تقدم بمنتهى الأدب يسأل السيد المسيح له المجد ماذا افعل لأرث الحياة الابدية، وقال سؤاله وهو جاث واعجب السيد المسيح بهذا السؤل لانه رأه شابا يبحث عن الحياة الابدية ، وابتدأ يقول له احفظ الوصايا فاجاب الشاب حفظتها منذ حداثتى، فقال له المسيح يعوزك شئ واحد ان تبيع كل املاكك وتعط الفقراء وتحمل الصليب، ويقول عنه الكتاب انه مضى حزينا لانه كان ذا اموال كثيرة. لم يستطع هذا الشاب ان يلوم نفسه و مضى، و لكن هل تاب هل عرف المسيح ام تلهيه امواله ! لم يلم نفسه و يعترف امام المسيح انه مرتبط بامواله اكثر من اللازم، لم يستطع ان يلوم نفسه لهذا مضى دون ان ينتفع. احيانا تمارس سر الاعتراف و لكن تذهب الى هذا السر دون ان تلوم نفسك لهذا لا يوجد نتيجة ايجابية ، احيانا تقدم الضعف او القصور فى حياتك و تقدمه بتوبه و لكن هل تلوم نفسك من الداخل ! مثال يوسف الذى وقف ولام نفسه بقوة و قال كيف اصنع هذا الشر العظيم و اخطئ الى الله، ضميره صاحى و قلبه واعى تماما، اول خطوة هى ان فضيلة الملامة تؤدى بك الى توبة حقيقية. ثانيا فضيلة الملامة تجعلك تكسب نفسك. تقتنى نفسك. نفسك هى اغلى شئ كما يقول الكتاب المقدس "ماذا ينتفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه" نحن نجاهد لنقتنى انفسنا كما فى الآية "بصبركم تقتنون انفسكم" كما تعبت القديسة مونيكا (ام القديس اغسطينوس) بالدموع والصلاة وبالصبر لتقتنى نفس ابنها، كما هو أقتنى نفسه بتوبته. الفائدة الثانية للملامة ان يكسب الانسان نفسه. فاننا نستخدم فى كل صلواتنا النموذج الرائع الذى قدمه لنا داود بتوبته (المزمور الخمسون) لانه عرف كيف يلوم نفسه وعرف يقدم التوبة الحقيقية . فى كل مرة انت تنجح ان تمارس هذه الفضيلة تكسب نفسك. ثالثا فى فضيلة الملامة ان الانسان يستطيع ان يكسب الاخرين، الانسان الذى يبرر ذاته لا يستطيع ان يكسب الاخرين. الانسان الذى يخفى الضعف لا يستطيع ان يتخلص منه بل ممكن ان يزداد فى ضعفه. احد وسائل كسب الاخرين ان تتعلم كيف تلوم ذاتك. ان تكون عندك الامكانية ان تقول اخطأت و تقولها من قلبك وبهذا تكسب الاخرين. الملامة تعلمك توبة حقيقية ، الملامة تقتنى نفسك وتستطيع ان تنفذ الوصية ، الملامة تكسب بها الاخرين (علاقاتك الاجتماعية) ثم الملامة تمنحك نعمة رضا الرب. الله يعطيك نعم كثيرة لانك تعرف كيف تلوم نفسك ، نتعلم دائما فى الحياة كلمتين يساعدوا الانسان على الحياة الصحيحة، كلمة اخطيت و كلمة حاضر، و لكلمتين مرتبطين بالاتضاع والتواضع، هاتان الكلمتين يربطوا حياة الانسان الصحيحة (بين الاتضاع و الطاعة) هل تستطيع ان تحيا الكلمتين، ان حياتك كلها تقف عند الكلمتين (حاضر و اخطيت) ، بدون جدل طويل ممكن يتحول لشجار وخلاف وخصام و لا تحل شئ. و يحكى لنا تاريخ البرية انهم سألوا الانبا باخوميوس أب الشركة ماهو اجمل منظر رأيته؟ وكانت اجابته ان اجمل منظر هو منظر الانسان المتضع. الانسان المتضع فى قلبه عمل الاتضاع وعمل الطاعة والاثنين مبنين على الملامة. اجتهد فى كل يوم (خاصة ايام الصوم) قس نفسك على قامة عالية مثل قامة أمنا العذراء مريم فهى نموذج، ولا يتسرب امامك احساس ان السيدة العذراء قامة كبيرة جدا كيف اصل لها، اجتهد لانها كانت انسانة مثلنا اجتهد وضع امامك دائما امامك قامات عالية مثل ايضا قامة ربنا يسوع المسيح الذى قالل "تعلموا منى لانى وديع ومتواضع القلب" عندما تقيس نفسك على هذه القامات ستجد نفسك صغير اجتهد ان تنمو وتكبر . مثال بطرس الذى كان تلميذا للمسيح وانكره ولكنه بكى بكاءا مرا وفى النهاية يظهر له المسيح كما نقرأ فى اصحاح 21 من انجيل معلمنا القديس يوحنا ان المسيح سأل بطرس ليحرك فيه روح الملامة "بطرس أتحبنى؟" ويكرر السؤال ليوقظ فيه هذه الروح حتى اجابه بطرس انت يارب تعرف كل شئ انت تعرف انى احبك. فضيلة الملامة ينطبق عليها العبارة متى فعلتم كل ما أمرتم به فقولوا اننا عبيد بطالون لاننا عملنا ماكان يجب علينا . لا تفتخر بنفسك او تفتخر باعمالك او بحياتك او بانجازاتك، فكل هذا لا يساوى شئ امام الله ، ولكن ارجع بالملامة على نفسك، واوقظ هذه الفضيلة فى قلبك لتتغير الى حياة جديدة وتبدأ عام جديدة بقلب جديد وفكر جديد وروح جديدة وتبدأ هذه السنه سنه نقية وفيها شفافية فى حياتك الخاصة.